خليل الصفدي

333

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

المضيق اجتمعوا ورفع العصابة فوق رأسه وسار ولم يتبعه أحد . ولمّا قرب من قراسنقر ما اجتمعا إلّا بعد مراسلات عديدة وأيمان ومواثيق ، لأنّ الأفرم تخيّل في نفسه أنّ قراسنقر فعل ذلك مكيدة للقبض عليه لأنّه كان حازما له فكرة في العواقب . ولمّا اجتمعا سارا في البريّة قاصدين مهنّا بن عيسى ، وكان قراسنقر قد ترامى إلى مهنّا وترامى الأفرم إلى أخيه محمد . قال القاضي شهاب الدين : حكى لي سنجر البيروتيّ وكان أكبر مماليك الأفرم قال : لمّا فارقا أطراف البلاد التفت الأفرم إلى جهة الشام وأنشد ( من الطويل ) : سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم * وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر وبكى فقال له قراسنقر : روح بلا فشار ، نبكي عليهم ولا يبكون علينا ! فقال : ما بي إلّا فراق ابني موسى . فقال : أيّ بغاية بصقت في رحمها جاء منها موسى وعليّ وخليل . . . وذكر أسماء . قال : ولم ندخل ميّافارقين إلّا وقد أملق ونفد ما كان معه وما كان يقوم به إلّا قراسنقر ، وألجأتنا الضرورة إلى أنّني كنت أحطب والأفرم ينفخ النار والمماليك نيام هنا وهنا ما فيهم من يرحمه ولا من ينفخ النار عنه ، ويقول لي : وا لك ، يا سنجر ، تبصر ؟ فأقول له : أبصرت . فيتنهّد وتترغرغ عيناه بالدموع . فلمّا وصلنا إلى بيوت سوتاي أضافنا ضيافة عظيمة ونصب لنا خيمة كبيرة كان كسبها من المسلمين وعليها ألقاب السلطان الملك الناصر ، فلمّا قام الأفرم ليتوضّأ قال لي : وا لك ، يا سنجر ، كيف نعاند القدرة ونحن في المكان وقد خرجنا من بلاده وهو فوق رؤوسنا ، وإذا كان اللّه رفعه كيف نقدر نحن نضعه ؟ قال سنجر : ومن حين وصلنا إلى بيوت سوتاي عاد إلينا ناموس الإمرة ومشت المماليك معه على العادة ، وأجري علينا من الرواتب ما لم نحتج معه إلى شيء آخر ، ولم نزل كذلك حتى وصلنا الأردو ، فازداد إكرامنا وتوالى الإنعام